محمد داوود قيصري رومي
678
شرح فصوص الحكم
من الطبيعة أيضا بإنشاء مزاج آخر يخالف هذا المزاج ، فإذن ليس الطبيب بخادم للطبيعة ) . أي ، الطبيب خادم الطبيعة ، والأنبياء والرسل وورثتهم خادموا الأمر الإلهي ، إلا أن الطبيب ليس بخادم للطبيعة مطلقا ، ولا الرسل خدمة للأمر الإلهي مطلقا . فان الخادم مطلقا إنما هو واقف عند مرسوم مخدومه ، أي ، واقف عند أمر مخدومه . يقال : رسم الأمير بكذا . إذا أمره . والطبيب ليس واقفا عند مرسوم الطبيعة مطلقا ، فإنه لو كان كذلك ، لساعد الطبيعة في كل حال من أحوالها ومن جملة أحوالها المرض ، لأنه سوء مزاج خاص أحدثته الطبيعة . فلو كان مساعدا لها ، لزاد في كمية المرض ، لكنه يسعى في زواله وتبديله بالصحة . ( ويردعها ) ، أي ، يمنعها عن المرض . وهذا المطلوب أيضا يحصل بمزاج آخر من الطبيعة ملائم لمطلوب الطبيب . فالطبيب خادم للطبيعة من حيث المزاج الملائم للشخص ، وليس خادما على الإطلاق . فهو خادم لها من وجه ، غير خادم لها من وجه آخر . وكذلك الأنبياء والرسل وورثتهم ليسوا خادمين للأمر الإلهي مطلقا . فإن الأمر الإلهي قسمان : قسم يتعلق بأمور يقتضيها عين المأمور ، وهو الأمر الإرادي ، وقسم يتعلق بأمور يقتضى بعضها عين المأمور ولا يقتضى البعض الآخر ، بل نقيضه ، وهو الأمر التكليفي . والأنبياء والرسل خادموا الأمر التكليفي ( 9 ) بالحال والقول : قوله : ( ما بالحال أو بالقول ) متعلق بقوله : ( واقف ) . ووقوفه بالحال ، كالإتيان بالعبادات والأفعال المبينة لقرب الحق ليقتدى الأمة بهم فيها ، فتسعد . كما قال : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) . ويأتي العاصي بضدها ، فيشقى . كقوله تعالى : ( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) . وقوله : ( وما اختلفوا إلا من بعد ما جائهم العلم ) . ووقوفه بالقول ، كأمره بالإيمان ونهيه عن الكفر والطغيان ، وبيان ما يثاب به ويعاقب عليه . كما قال : ( بلغ ما أنزل إليك ) . ليصل به المطيع إلى كماله ،
--> ( 9 ) - يعنى ، الإرادة التشريعية . ( ج )